.

مع الحدث

حقوق الإنسان .. بين الإعلان العالمي وانتهاكات القوى الكبرى!


حقوق الإنسان .. بين الإعلان العالمي وانتهاكات القوى الكبرى!
هذا المقال رقم : 42 من 60 من العدد 15208-تاريخ12-12-2014

يعدّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي تبنته الأمم المتحدة في العاشر من كانون الأول عام 1948 أول وثيقة من نوعها في تاريخ البشرية، وقد ونالت تلك الوثيقة موقعاً مهمّاً في القانون الدولي، وذلك مع وثيقتي العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية من عام 1966، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من عام 1966. وتشكل الوثائق الثلاثة معاً ما يسمى “لائحة الحقوق الدولية”.
تؤكد مقدّمة الإعلان، الذي يتألف من ثلاثين مادة، على الأهمية القصوى للاعتراف بكرامة الإنسان وتساوي البشر في حقوقهم، وعلى مخاطر تجاهل حقوق الإنسان وإغفال الحريات المرتبطة بها، مذكرة بالأعمال الهمجية التي شهدها التاريخ الإنساني جرّاء ذلك التجاهل والإغفال، مبرزة إيمان شعوب الأمم المتحدة بهذه الحقوق والحريات وتعهدها بالعمل على تأمين احترامها.
أما مواد الإعلان الثلاثين فتتعرض إلى مجموعة متنوعة من حقوق الإنسان، تمتد من الحقوق الفردية والشخصية: الحق في الحياة، المساواة، الحرية، الأمن، تحريم الرق والتعذيب والعقوبات الوحشية، الضمانات الواجب توفرها في أثناء التوقيف والمحاكمة، إلى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية إلى الضمان الاجتماعي، وحق العمل واختيار نوعه، والحق في تأليف النقابات والحق في الراحة وتحديد ساعات العمل والعطل الدورية المأجورة والحق في التربية، مروراً بالحقوق والحريات المرتبطة بعلاقة الفرد بالجماعة والمجتمع بالدولة، والحق في الجنسية والحق بتغييرها، حق الرجل والمرأة في الزواج دون قيد، وحق اللجوء والتنقل، وحق التملك، والحقوق الأساسية والحريات العامة وحرية الفكر والمعتقد والدين، وحرية الرأي والتعبير، وحرية الاجتماعات وإنشاء الجمعيات، والمشاركة في الشؤون العامة، وحرية الانتخابات والتساوي في التوظيف، والحق في نظام اجتماعي ودوري يحقق ما ورد في الإعلان، وحدود ممارسة هذه الحقوق. وعدم جواز تفسير مواد الإعلان بشكل يقود إلى منح أية دولة أو جماعة أو فرد الحق في القيام بعمل يرمي إلى تقويض الحقوق والحريات التي نصّ عليها، وينتهي الإعلان بأحكام عامة يشوبها الغموض وعدم الوضوح. .لكن السؤال الأهم هو ما مدى التزام القوى الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة والدول الغربية، بتطبيق هذه المواد في الواقع العملي؟
يقول هاينه بيلفيلد، مدير المعهد الألماني لحقوق الإنسان: «إنه لا تزال انتهاكات حقوق الإنسان موجودة في العالم كما كان عليه الوضع في السابق، فالعالم لم يصبح أفضل مما كان عليه وكذلك وضع الإنسانية». ومنذ هجمات الحادي عشر من أيلول عام 2001 في الولايات المتحدة، بدأت الكثير من حقوق الإنسان المعترف بها بالتراجع. فقد أقدمت مثلاً الولايات المتحدة على حرب العراق دون تفويض من مجلس الأمن ورغم إرادة غالبية الدول الأعضاء في الأمم المتحدة. علاوة على ذلك فإن انتهاكات لحقوق الإنسان قد تم تسويغها من خلال قوانين وتشريعات سنت تحت مظلة “الحرب على الإرهاب”، وما رافق من انتهاكات للحقوق الفردية، وطريقة تعامل دول الاتحاد الأوروبي مع النازحين وطالبي اللجوء، وغيرها، كلها أمور تؤكد على أن العالم أبعد ما يكون عن تحقيق أهداف الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وخاصة بعدما أصبحت الحرب على الإرهاب فاتورة تدفع على حساب حقوق الإنسان.
الجميع يتذكر ما حدث أوائل عام 2004 ، حين تفجرت فضيحة انتهاكات جسدية ونفسية وإساءة جنسية تضمنت تعذيب، واغتصاب وقتل بحق سجناء كانوا في سجن أبو غريب في العراق، لتخرج إلى العلن ولتعرف باسم فضيحة “أبو غريب”.  تلك الأفعال قام بها أشخاص من الشرطة العسكرية الأمريكية التابعة لجيش الولايات المتحدة بالإضافة لوكالات سرية أخرى.
ويأتي في هذا السياق معتقل غوانتانامو في خليج غوانتانامو سيء السمعة،  الذي بدأت السلطات الأمريكية باستعماله في سنة 2002، ويعد السجن سلطة مطلقة لوجوده خارج الحدود الأمريكية، وذلك في أقصى جنوب شرق كوبا، وتبعد 90 ميلاً عن فلوريدا، ولا ينطبق عليه أي من قوانين حقوق الإنسان إلى الحد الذي جعل منظمة العفو الدولية تقول: «إن معتقل غوانتانامو الأمريكي يمثل همجية هذا العصر». ويعد مراقبون إن معتقل غوانتانامو تنمحي فيه جميع القيم الإنسانية وتنعدم فيه الأخلاق ويتم معاملة المعتقلين بقساوة شديدة ما أدى إلى احتجاج بعض المنظمات الحقوقية الدولية إلى استنكارها والمطالبة لوضع حد لهذه المعاناة وإغلاق المعتقل بشكل تام.
ورغم أن الولايات المتحدة هي أكثر دول العالم صخباً وضجيجاً بالحديث عن حقوق الإنسان وشعاراته، كما أنها الدولة الأكثر استخداماً لورقة حقوق الإنسان في سياستها الخارجية، إلا أنها على صعيد الممارسة الفعلية تعد الدولة الأخطر على مرّ التاريخ التي انتهكت وتنتهك حقوق الإنسان، أما الضجيج والصخب  الأمريكي  حول حقوق الإنسان فلم يكن سوى ستاراً، أخفى خلفه نزعة التوسع والسيطرة التي طبعت الإمبراطورية الأمريكية منذ نشأتها وقيامها فوق تلال من جماجم عشرات الملايين من الهنود الحمر، وهكذا فإن حقوق الإنسان كانت هي اللافتة التي اتخذتها الولايات المتحدة ستاراً لارتكاب أبشع ممارسات انتهاكات الإنسان في تاريخ البشرية .
لقد استغلت القوى الكبرى الغربية “إعلان حقوق الإنسان” كوسيلة للسيطرة والابتزاز، وهي ورقة الضغط المفضلة لدى الولايات المتحدة وحلفائها من أجل التدخل في الشؤون الداخلية للدول الممانعة للمشاريع الاستعمارية، ومصادرة قرارها الوطني وتحطيم أية محاولة للانعتاق من التبعية بكل أشكالها.
وهذا ما حدث في الحرب على سورية، إذ رفعت يافطة الحرية وحقوق الإنسان لتكون ذريعة للتدخل في شؤونها الداخلية ومحاولة التأثير على مواقفها الوطنية والقومية الثابتة والمبدئية، ووقف دعمها لحركات المقاومة، قبل أن يماط اللثام عن الوجه الحقيقي للإرهاب الموجه أمريكياً وإسرائيلياً، والذي يستهدف سورية، شعباً وأرضاً.
كما شهدت القضية الفلسطينية تواطؤاً دولياً متعمداً حيث عملت “إسرائيل” على التنكيل بالإنسان في فلسطين المحتلة ومارست التدمير والحصار وسرقة المياه والآثار وتقطيع الأشجار ومصادرة الأراضي تحت مظلة حماية الولايات المتحدة التي ما فتئت تستعمل حق النقض “الفيتو” في مجلس الأمن ضد أي قرار يقف إلى جانب الحق، ومازلنا نشهد حتى هذا الوقت ضروباً من الانتهاكات الفظيعة لحقوق الإنسان في أنحاء متفرقة من العالم من قبل الدول التي تزعم لنفسها الوصاية على الإنسان وحقوقه.
د. معن منيف سليمان